الميدان الرياضي : النشامى في كأس العالم من الإنجاز الرياضي إلى التحول في السردية الوطنية
التاريخ : 2026-06-13

النشامى في كأس العالم من الإنجاز الرياضي إلى التحول في السردية الوطنية

 د.مارسيل جوينات

لم يكن تأهل المنتخب الأردني لكرة القدم إلى كأس العالم 2026 مجرد إنجاز رياضي يضاف إلى سجل الرياضة الأردنية، بل يمثل لحظة تاريخية فارقة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتلامس أبعاد اجتماعية وثقافية ووطنية أوسع. فحين نجح النشامى في بلوغ المونديال للمرة الأولى في تاريخ المملكة، لم يكن الاحتفاء منصب على نتيجة مباراة أو تأهل منتخب فحسب، بل على قصة وطن استطاع أن يحول الحلم إلى واقع بعد سنوات طويلة من الانتظار والعمل والتحديات.

ويكشف هذا الإنجاز عن تحول مهم في بنية الرياضة الأردنية، حيث انتقلت كرة القدم من مرحلة المشاركة والطموح إلى مرحلة المنافسة وتحقيق الإنجازات الكبرى. فقد أثبت المنتخب الأردني خلال السنوات الأخيرة أن النجاح لا يرتبط بالإمكانات المادية الضخمة فقط، بل بوجود رؤية واضحة، واستقرار فني، وإدارة قادرة على استثمار المواهب الوطنية وتطويرها.

نجح النشامى في صناعة حالة نادرة من الإجماع الوطني. ففي عالم تزداد فيه الانقسامات والاختلافات، جاءت كرة القدم لتعيد إنتاج مشهد الوحدة الوطنية بصورة تلقائية وعفوية. فقد توحد الأردنيون بمختلف فئاتهم ومناطقهم وخلفياتهم خلف هدف واحد، وتحولت شوارع المدن والقرى إلى مساحات احتفال جماعي تعكس عمق الانتماء الوطني والاعتزاز بالهوية الأردنية.

فقد قدم التأهل فرصة لإعادة صياغة السردية الأردنية على المستوى الدولي. فالأردن الذي ارتبط في كثير من الأحيان بصورته السياسية والدبلوماسية ودوره الإقليمي، بات حاضر أيضاً عبر إنجاز رياضي عالمي يضع اسمه على خارطة الأحداث الأكثر متابعة في العالم. وهنا تتجلى أهمية الرياضة كقوة ناعمة قادرة على تعزيز صورة الدول وترسيخ حضورها في الوعي العالمي.

ولا يمكن قراءة هذا الإنجاز التاريخي بمعزل عن الدعم المتواصل الذي حظي به المنتخب الوطني من القيادة الهاشمية. فقد شكل تشجيع ورعاية جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين مصدر إلهام كبير للاعبين والجهاز الفني، كما كان الدعم المستمر من سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، رسالة ثقة وتحفيز للشباب الأردني وللرياضيين على وجه الخصوص. كما يبرز الدور المحوري لسمو الأمير علي بن الحسين الذي قاد مسيرة تطوير كرة القدم الأردنية على مدى سنوات طويلة، وساهم في ترسيخ العمل المؤسسي الرياضي وتطوير البنية التحتية للعبة والارتقاء بمستوى المنتخبات الوطنية. وقد شكل هذا الدعم المتكامل من القيادة الهاشمية والاتحاد الأردني لكرة القدم أحد أهم العوامل التي أسهمت في تهيئة البيئة المناسبة لتحقيق هذا الإنجاز التاريخي.

كما يفتح التأهل الباب أمام فرص استثمارية وتسويقية جديدة للرياضة الأردنية. فالمشاركة في كأس العالم تعني زيادة الاهتمام بالرعايات الرياضية، وتعزيز قيمة العلامة التجارية للمنتخب الوطني، وتحفيز الاستثمار في البنية التحتية الرياضية والأكاديميات الكروية. كما يمكن لهذا الإنجاز أن يسهم في تنشيط قطاعات مرتبطة بالرياضة والإعلام والسياحة.

لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد التأهل وليس قبله. فالإنجاز التاريخي يجب أن يكون نقطة انطلاق نحو مشروع رياضي مستدام، لا مجرد محطة للاحتفال العابر. فالدول التي نجحت في ترسيخ حضورها الكروي على الصعيد العالمي، هي تلك التي حولت الإنجازات الفردية إلى سياسات مؤسسية وبرامج طويلة المدى لتطوير المواهب والبنية التحتية الرياضية.

إن مشاركة النشامى في كأس العالم للمرة الأولى تمثل أكثر من مجرد ظهور في بطولة عالمية؛ إنها إعلان عن قدرة الأردن على المنافسة وتحقيق الإنجاز حين تتوافر الإرادة والرؤية والعمل الجماعي. وستبقى هذه اللحظة علامة مضيئة في الذاكرة الوطنية، ليس لأنها حققت حلم رياضي فحسب، بل لأنها أكدت أن الطموح الأردني قادر على الوصول إلى أكبر المنصات العالمية ورفع اسم الوطن عالياً بين الأمم.
عدد المشاهدات : [ 649 ]
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' الميدان الرياضي ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .